الظلم ظلمات

الظلم ظلمات

بسم الله الرحمن الرحيم

   سبحان الله وبحمده ، لا إله إلا هو وحده لا شريك له ،له الحُكم وله الأمر وهو الحكم العدل اللطيف الخبير وإليه تُرجع الأمور. قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء، وتعزُّ من تشاء وتذلُ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير

اليوم فرح شعب مسلم بحريته وبسقوط الحاكم عن منبره ،واحتفل الناس وابتهجوا وهتفوا وخرجوا إلى الشوارع معبرين عن فرحتهم بانتصارهم على الظلم بعد طول انتظار..

هذا المشهد أصبح يتكرر في كل حين ومدة بين الشعوب العربية .. فكم هي مؤسفة نهاية الظالم على يد شعبه المقهور،ويوم الحساب يوم النشور،يوم البعث من القبور .

فلم الظلم والظلم ظلمات يوم القيامة ، ولأن الظلم شيء عظيم ،فقد تكررت كلمة الظلم في القرآن الكريم حوالي 295 مرة تقريبا، لأن الله تعالى لا يحب الظلم  وقد حرّم الظلم على نفسه وعلى عباده، وهو أعلم بإحساس المظلوم ومعاناته وقهره ، فلذلك دعوة المظلوم على الظالم مستجابة بإذن الله تعالى وليس بينها وبين الله حجاب، وأن الله يرفعها فوق الغمام ويقول :”وعزّتي لأنصرنك ولو بعد حين” . رواه الإمام أحمد وغيره.

 قال تعالى في آياته تحريم الظلم عن نفسه في كتابه العزيز:{إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون}  ويقول: {وما ربك بظلام للعبيد}ويقول: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما}. ومن آيات ظلم الإنسان لنفسه.{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَ‌ىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِ‌ينَ} ﴿العنكبوت: ٦٨﴾{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَدًا} ﴿الكهف: ٣٥﴾

فالحاكم يأمره الله بعدم الظلم والحكم بالعدل والإحسان بين الناس لأنه هو الحاكم بأمر الله ،وهو المسؤول الأول عن شعبه لتأمين الأمن والعدل والسلام بينهم. وقد ذكر الله تعالى في سورة الكهف قصة ملكين أحدهما ظالم والآخر عادل ، ليبين لنا العبر وجزاء كل منهما.. فالملك الظالم كان الذي يستولي على السفن الجيدة السليمة ويأخذها غصبا من الشعب الكادح الفقيرالمسكين كما بين الله في آياته:{ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ‌ فَأَرَ‌دتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَ‌اءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩

وأما الملك العادل فكان ذو القرنين الذي أعطاه الله العلم والسلطة والأموال:{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْ‌ضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} ﴿٨٤

فلما أمره الله أن يحكم بين القوم الذين وجدهم عند مغرب الشمس: { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِ‌بَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُ‌بُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْ‌نَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿٨٦﴾ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَ‌دُّ إِلَىٰ رَ‌بِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرً‌ا ﴿٨٧﴾ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِ‌نَا يُسْرً‌ا ﴿٨٨

وكذلك عندما أتى على القوم الذين سألوه أن يجعل لهم سدا بينهم وبين يأجوج ومأجوج  ليخلصهم من ظلمهم وفسادهم عرضوا عليه أجرا لقاء عمله ، ولأنه ملك صالح استعفف وأبى أخذ أجر على  عمله الخير وما أعطاه الله خيرا .{قَالُوا يَا ذَا الْقَرْ‌نَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْ‌ضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْ‌جًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿٩٤﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَ‌بِّي خَيْرٌ‌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَ‌دْمًا }.

لذلك أمر الله الحاكم بالعدل والقسط بين الناس ورفع الظلم عنهم وما بينهم، فما بالك بالحاكم الذي يظلم شعبه ويظلم نفسه ؟ ولم الظلم ؟ولم الإستبداد؟ ولم حب التملك والتمسك بالكرسي والمنصب والعرش وما الحكم إلا لله الواحد القهار. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ، فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ الله، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْمٌ لا يَتْرُكُهُ، فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ الله فَالشِّرْكُ، قَالَ الله: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ فَظُلْمُ العِباَدِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ الله فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتَّى يُدَبِّرُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ..

روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال: ” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم
محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كان على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلا مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”.

أختي المسلمة..لا تغرّنك الدنيا بمباهجها ، فهي دار لعب ولهو وزينة وتفاخر بين الناس ودنيانا هذه مليئة بالفتن والمعاصي   ، فلا تدعي الدنيا تغرك بحب ملذاتها وشهواتها فتتغلب دنياك على دينك و آخرتك فتظلمين نفسك أو تظلمي غيرك وأنت لا تدركين فداحة عملك
ومظالم العباد يوم القيامة …يُقتص من الظالم لمن ظلمه حتى إذا لم يبق من حسناته شيء أخذ من
سيئات المظلوم وطرحت على سيئات الظالم ثم طرح في النار. جاء في الحديث: “لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القَرْنَاء” الشاة الجَلحَاء هي التي ليس لها قرون، والشاة القَرْنَاء التي لها قرون، إذا نطحتها بقرونها لابد من القصاص يوم القيامة حتى بين البهائم

فيا حكام المسلمين ما أحوجكم أن تحكموا بالعدل والإحسان وتساووا بين شعوبكم المسلمة وتعودون إلى حكم الله على الأرض وتنفذون شريعة الله ؟لماذا لا تضعون أمر الله بين أعينكم والخوف منه في قلوبكم وعدم الظلم في قرارتكم وحكمكم؟ لم لا تعودون إلى عدل خليفة المسلمين صحابي الرسول صلى الله عليه وسلم ،عمر رضي الله عنه ،وقد اشتهر عنه ما اشتهر حكمه بالعدل والإنصاف في عهد ولايته . والكل يعرف قصته الشهيرة حين نام تحت الشجرة وأحب أن أذكرها وأستعيدها حتى لا ننساها ولا تغيب عن بالنا يوما

  قدم (رسول كسرى) الى المدينة يريد مقابلة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه
فأخذ يبحث عن قصر الخلافة وهو في شوق إلى رؤية ذلك الرجل الذي اهتزت خوفا منه… عروش كسرى وقيصر، ولكنه لم يجد في المدينه قصرا ولا حراسا فسأل الناس
أين أمير المؤمنين عمر؟ فقالوا لاندري ولكنه لعله ذاك النائم تحت الشجرة
فلم يصدق الرجل ماسمع فذهب إليه فإذا به عمر رضي الله عنه قد افترش الأرض وإلتحف السماء وعليه بردته القديمة
فوقف المرزبان مشدوها مستغربا وقال قولته المشهورة
( حَكَمت … فعَدلت … فأمِنت … فنِمت … ياعمر)
فأين نحن من عدل وإنصاف الفاروق رضي الله عنه وأرضاه؟ فيا حبّذا أن تعود لبلاد المسلمين

الخلافة الراشدة الصالحة ، ويعود حكم الله على الأرض ، وتعود الأمة الإسلامية إلى سابق عهدها للأمن والسلام والمساواة وإقامة الدين الحنيف القيم. فليس لنا سوى أن ندعو الله العظيم القريب المجيب وقد قال”: ادعوني أستجب لكم

اللهم أعزّ الأمة الإسلامية ،وأعزّ المسلمين ووحّد كلمتهم على الحق والإيمان”

 اللهم اعفنا وابعد الظلم عنا،وارفعه عن أمتك المسلمة يا رب العالمين

 ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ولا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.‏

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته وصحبه أجمعين.

Aida Saab

Related Posts