عصر الذئاب

عصر الذئاب

    عصر الذئاب

منذ زمن بعيد وحكاية ليلى والذئب تُقصّ على الأطفال وتكرّر على مسامعنا وتتجدّد مع مرور الزمان ومع تصاعد الأجيال وإلى الآن وحتى المستقبل القريب أو البعيد ستبقى قصة ليلى والذئب تُروى وتثردد في الكتب وقصص الأطفال والروايات

صحيح ان قصة ليلى والذئب قصة خيالية ،لكنها ليست مجرد قصة عادية أو سطحية ، فهي تتضمّن العديد من الألغاز والعبر، فمن المؤكد أن مؤلفتها الراوية الشهيرة نيكولا باكستر كانت تهدف في مضمونها إلى الحياة الإجتماعية بكل جوانبها.

منذ نعومة أظفاري ، ومنذ عرفت قصة ليلى والذئب، أعترف اني لم أعجب بهذه القصة ولم أحبها لما تمثل من واقع الشر،رغم أن الحطاب في نهاية القصة قد أنقذ ليلى من مخالب وأنياب الذئب،وأخرج جدتها التي لم تمت من بطنه بعد أن ابتلعها،إلا أني لم أكن أصدق ذلك وكنت دائما في قرارة نفسي أؤمن بأن الذئب قد أكل ليلى ، ولا أؤمن بالصدفة التي جعلت الحطاب يسمع صوتها وإغاثتها من بعيد ليسرع ويخلص ليلى ويقتل الذئب.

كنت وما زلت كلما أسمع قصة ليلى والذئب ،أو عندما كنت أرويها لأطفالي كنت أردد في قرارة نفسي ، لولا أن الحطاب لم يمر من هناك صدفة ولم يسمع إغاثتها وصراخها؟؟ولنفرض أن شاءت الصدف ومرّ من هناك وفعلا أنجدها …فهذا لا يمنع ولا يغيّرالواقع أن هناك ذئبا شريرا مفترسا قد أكل الجدة وهمّ بأكل الطفلة ليلى ..

ولماذا الذئب؟؟  الذئب يعني الشر مع القوة ،السلطة، الشراهة ،الشراسة، الأنانية، حرية التصرف بدون رادع يردعه او يمنعه، يمتلك الغابة لنفسه، يتصرف فيها مايشاء وكيفما يشاء وكيفما يحلو له، يأكل مايشاء ومن يشاء…. وليلى تعني البراءة ،الطفولة، الجمال ،السذاجة ،الحلم، المستقبل الجميل.. والحطاب أين هو؟ كان بعيدا ..ولم يسمع الإغاثة إلا بالصدفة. والغابة هي حياتنا الدنيا وواقعنا الإجتماعي الذي تكثر فيه الذئاب، ومهما تحضّرنا ومهما تطورنا ومهما تقدمنا ،مازالت الذئاب عديدة ومتنوعة وكلها شرسة ومفترسة…فهناك ذئاب الدول و ذئاب الحضارات و ذئاب التاريخ و ذئاب المبادئ و ذئاب الأخلاق وهي على رأس الذئاب الباقية وأشدها شراسة وفتكا والتي منها تولد كل الذئاب الباقية ..

فذئاب الدول هم الحكام والرؤساء والملوك الظالمة لشعوبها باستغلالها وإذلالها…و ذئاب الحضارات الذين يعتدون على حضارات الشعوب الأخرى ويسرقونها ويسلبون علومها وخصائصها ومتاحفها وآثارها وإنتاجاتها ثم ينسبونها لأنفسهم أويدمرونها ويطمسون معالمها.و ذئاب التاريخ هم من يزوّرون التاريخ والوقائع والأسماء والأحداث فيشوّهون صورة ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ولا يرضون إلا بما تهوى أنفسهم ولو اعتدوا. و ذئاب المبادئ هم الذين يزيّن لهم الشيطان أعمالهم وتصبح عندهم الغاية تبرر الوسيلة ،والمادة هي هدفهم ورمزهم وشعارهم هوالغلبة للقوة وليست للحق اوالله .

كل تلك الذئاب تندرج تحت عنوان انعدام الأخلاق ..لذلك فمن ذئاب الأخلاق تتفرع  باقي الذئاب لأنه من عدم وجود الأخلاق أو انحطاطها ينتج ما ينتج ويخرج ما يخرج من شرور وفساد ودمار وخراب.

فالإنسان مُيّز عن الحيوان بعقله ،والعقل وظيفته التمييز بين الخير والشر وبانعدام التمييز ورجاحة كفة الشر يعود الإنسان لحيوانيته ويفقد إنسانيته وساعتها يشبّه بالذئب وليس بالمجنون.

كل يوم هناك ذئب وكل يوم هناك ليلى ..وذئبنا اليوم هو ذئب الأخلاق ،الذئب الذي أكل ليلى فعلا ولم تجد الحطاب الذي ينقذها ويخلصها من أنيابه ومخالبه،وهو شاب في العشرين من عمره اغتصب “ليلى ” وهي الطفلة في السابعة من عمرها التي وجدت مقتولة ومرمية في مجمع ومكبس النفايات …وقبلها “ليلى” أخرى طفلة في الخامسة من عمرها اغتصبت وقتلت ..وقبلها “ليلى “وقبلها”ليلى” وكم من ليلى وليلى من الطفلات اللواتي يُغتصبن ويقتلن ويرمين في أماكن مجهولة حتى تضيع معالمهن أو تطمس آثارهن.

وماذا بعد؟ ولماذا الذئاب مازالت تحوم وتكثر وتتوالد وتتكاثر في عالمنا “المتحضّر” هذا ؟ ولماذا تكثر “الليلات” ؟ولماذا الحطاب لا ولم يمرّ صدفة ليسمع صوت الإستغاثة قبل أن يأكل الذئب ليلى؟؟

ولماذا ام ليلى تركتها تخرج وحدها إلى دار جدتها طالما عرفت أن هناك ذئبا يترصد للأطفال في الغابة؟ مع أنها حذرتها أن لا تتكلم مع الغرباء ..وهل ينفع مع الذئب عدم الكلام أو التهذيب أوالتملص أو الهروب؟فالذئب لا يصدّق أن يرى فريسته سائبة وحيدة ضعيفة دون حماية أو رادع ليجدها فرصة ذهبية له لينقض عليها والفتك بها تلبية لغرائز الشر والشهوات والرغبات الشيطانية في داخله. فشهرة الذئب وهويته هنا هي شراسة الغرائز والشهوات والشذوذ مع غياب الأخلاق وانحطاطها او انعدامها لتصبح دافعا قويا للشر بكل جوانبه ، وهكذا نعود إلى نقطة الإنطلاق أو الأساس ..إلى الأخلاق. لأن بدونها نصبح جميعا ذئابا !..وماذا يربّي الأخلاق فينا ؟ هو الدين ..والدين هو العودة إلى الخالق والتقرّب من الله ومعرفة الله  وحبّ الله  ،وتقدير الله ومن ثم المخافة من الله ، وحينها… عندما نصل إلى مرحلة المخافة من الله نكون قد وصلنا إلى الهدف الذي خلقنا من أجله ،أن نراقب حركاتنا وتصرفاتنا ونعلم ان هناك رقيبا علينا وأننا محاسبون عن ما نفعل ،فتقلّ أعمال الشر فينا وتنحسر أو تنتفي ، وفي المقابل تكثر أعمال الخير وتنمو وتعمّ ،وهكذا نصل إلى حياة سليمة كريمة ،وهي العيش بأخلاق حميدة ..ولكي نكتسب الأخلاق الحميدة ونربيها فينا علينا أن نعود إلى ديننا القيّم وإسلامنا الحنيف وإيماننا بالحق ،فالدين رادعنا وهو الذي يحمينا ويؤدبنا ويوسع هالة الخير فينا ويبعد وساوس الشر عنا وينجينا من الأهواء والشهوات والرغبات والشذوذ ،ويضعنا على الصراط المستقيم والرسول صلى الله عليه وسلم قال :”إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق “..فهنيئا لنا برسولنا وبديننا ،فمكارم الأخلاق صفتنا وهويتنا وبها نعلو ونسمو لننشر الخير في كل مكان ،فمن تركها وابتعد عنها هلك وفسد وكانت له سوء العاقبة ، ومن تحلّى بها ..نجا وسما وكانت له حسن العاقبة ..فلننجي أنفسنا بمكارم الأخلاق ونقوي إيماننا بديننا الحنيف لنكون أمة قوية بالحق ولنحمي أنفسنا وأطفالنا وشبابنا وأوطاننا من غدر الذئاب الغاشمة ..ذئاب هذا العصر..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

Aida Saab

Related Posts